الشيخ محمد هادي معرفة
415
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
هذه الآية - بهذا النمط من الاستدلال - في ظاهرها البدائي احتجاج على أساس الخطابة والإقناع ، قياسا على العُرف المعهود ، إنّ التعدّد في مراكز القرار سوف يؤدّي إلى فساد الإدارة . ونظيرها آية أخرى : « مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ » . « 1 » يقول العلّامة الطباطبائي : وتقرير الحجّة في الآية أنّه لو فرض للعالم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتا ، متباينين حقيقةً . وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم ، فتتفاسد التدابير ، وتفسد السماء والأَرض . « 2 » وهذا النمط من الاستدلال ، طريقة عقلانية يتسلّمها العرف العام قياسا على ماألفوه في أعرافهم . ولكن إلى جنب هذا ، فهو استدلال برهاني دقيق ، قوامه الضرورة واليقين ، وليس مجرّد قياس إقناعي صرف . ذلك أنّ الآية دلّت العقول على أنّ تعدّد الآلهة ، المستجمعة لصفات الالوهيّة الكاملة ، يستدعي إمّا عدم وجود شيء على الإطلاق ، وذلك هو فساد الأشياء حال الإيجاد . . . أو أنّها إذا وجدت ، وجدت متفاوتة الطبائع متنافرة الجنسيات ، الأمر الذي يقضي بفسادها ، إثر وجودها وعدم إمكان البقاء . وذلك لأنّه لو توجّهت إرادتان مستقلّتان من إلهين مستقلّين - في الخلق والتكوين - إلى شيء واحد يريدان خلقه وتكوينه ، فهذا ممّا يجعله ممتنع الوجود ، لامتناع صدور الواحد إلّا من الواحد ، إذ الأثر الواحد لا يصدر إلّا ممّا كان واحدا . ولا تتوارد العلّتان على معلول واحد أبدا . وفرض وجوده عن إرادة أحدهما ، مع استوائهما في القدرة والإرادة ، فرض ممتنع . لأنّه ترجيح من غير مرجّح ، بل ترجّح من غير مرجّح ، وهو مستحيل .
--> ( 1 ) - المؤمنون 91 : 23 . ( 2 ) - الميزان ، ج 14 ، ص 291 .